في
الأربعاء 22 ذو القعدة 1435 / 17 سبتمبر 2014

جديد المكتبة النصية
جديد الأخبار والفتاوى

الأحكام الشرعية للدماء الطبيعية حساب فضيلة الشيخ الدكتور عبد الله الطيار في تويتر من أجوبة فضيلة المشرف العام لموقع الفقه الإسلامي

خ-قعد-1432 03:23 PM


بَابُ الصُّلْحِ(1)


الشرح:
(1)قوله (بَابُ الصُّلْحِ): الصلح لغة: قطع المنازعة. وشرعاً: معاقدة يتوصل بها إلى إصلاح بين متخاصمين.
أما حكمه: فهو جائز بالكتاب والسنة والإجماع.
أما دلالة الكتاب: فقوله [وَالصُّلْحُ خَيْرٌ..]([1])، وقوله[لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً]([2])، وقوله تعالى [إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ]([3]).
أما السنة: فقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله ما يدل على ذلك، فمن الفعل ما رواه البخاري ومسلم عن سهل بن سعد (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ذَهَبَ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ لِيُصْلِحَ بَيْنَهُمْ)([4]).
أما القول فمن ذلك ما رواه أبو داود والترمذي عن أبي الدرداء قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ *صلى الله عليه وسلم (أَلاَ أُخْبِرُكُمْ بِأَفْضَلَ مِنْ دَرَجَةِ الصِّيَامِ وَالصَّلاَةِ وَالصَّدَقَةِ). قَالُوا بَلَى. قَالَ (إِصْلاَحُ ذَاتِ الْبَيْنِ وَفَسَادُ ذَاتِ الْبَيْنِ الْحَالِقَةُ)([5])،وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله *صلى الله عليه وسلم (الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلَّا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالًا أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)([6]).
أما الإجماع: فقد أجمعت الأمة على جواز الصلح بين المتخاصمين.

ذكر بعض الفوائد:
·الفائدة الأولى: أعدل الصلح وأحقه ما اعتمد فيه رضا الله ورضا المتخاصمين ولا يكون ذلك إلا بشرطين العلم والعدل العلم بالوقائع والمعرفة بالواجب وقصد العدل.

·الفائدة الثانية: في أنواع الصلح: الصلح على خمسة أنواع:
1ـ الصلح بين المسلمين والكفار.
2ـ الصلح بين أهل العدل وأهل البغي.
3ـ الصلح بين الزوجين إذا خيف الشقاق بينهما أو خافت الزوجة إعراض الزوج عنها.
4ـ الصلح بين المتخاصمين في غير مال.
5ـ الصلح بين المتخاصمين في الأموال، وهذا هو الذي يريده الفقهاء في تبويبهم بباب الصلح وهو مراد المؤلف هنا.

·الفائدة الثالثة: في شروط الصلح:
1ـ أن يكون المصالح ممن يصح تبرعه، فإن كان ممن لا يصح تبرعه لم يصح الإسقاط ولا الهبة لفوات الشرط.
مثال ذلك: ولي اليتيم إذا أسقط بعض دينه وأخذ الباقي فلا يصح الإسقاط لأنه لا يصح تبرعه، اللهم إلا إذا كان في الإسقاط مصلحة لليتيم، كأن يكون مال اليتيم عند مماطل ولا يمكن الحصول عليه إلا بإسقاط بعض المال فهنا يجوز الإسقاط وذلك لأن استدراك بعض الشيء أولى من فوات الكل.
2ـ أن يكون المصالح عنه (الشيء المنازع فيه) مالاً متقوّماً مقدور التسليم أو منفعة مباحة.
3ـ أن يكون المصالح عنه مالاً معلوماً علماً نافياً للجهالة أو ما يقوم مقام المال.
وسيأتي إن شاء الله مزيد من التوضيح في ثنايا شرحنا كلام المؤلف على هذه الشروط.
الفائدة الرابعة: الصلح في الأموال ينقسم إلى قسمين:
القسم الأول: الصلح مع الإقرار: وذلك بأن يكون المدعى عليه مقراً بحق خصمه وهو نوعان:
النوع الأول: الصلح على جنس الحق ببعضه، كأن يقر له بدين فيضع عنه بعضه كنصفه أو ربعه فيقول وهبتك نصف الدين فأعطني بقيته، أو يقر له بعين كدار أو ثياب أو كتب فيهب له بعضها، ويأخذ الباقي فهذا يصح باتفاق الفقهاء، لأن الإنسان لا يمنع من إسقاط حقه كما لا يمنع من استيفائه، دليل ذلك قصة جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه (أَخْبَرَهُ أَنَّ أَبَاهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا فَاشْتَدَّ الْغُرَمَاءُ فِي حُقُوقِهِمْ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَكَلَّمْتُهُ فَسَأَلَهُمْ أَنْ يَقْبَلُوا ثَمَرَحَائِطِي وَيُحَلِّلُوا أَبِي..)([7]).

وأيضاً ما رواه البخاري ومسلم عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ فِي بَيْتِهِ فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادَى (يَا كَعْبُ قَالَ لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هَذَا وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيْ الشَّطْرَ قَالَ لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ قُمْ فَاقْضِهِ)([8]).

النوع الثاني: الصلح عن الحق بغير جنسه: وهو ما يسمى بصلح المعاوضة، وصفته أن يكون عليه دين فيصالحه على أرض عوضاً عنه، أو يكون عليه دار فيقرُّ له بها ثم يصالحه عنها على ثوب أو دار أخرى، وهذا النوع جائز باتفاق الفقهاء، ويعد بيعاً، وإن عقد بلفظ الصلح، لأنه مبادلة مال بمال، ويشترط فيه جميع شروط البيع كمعلومية البدل، والقدرة على التسليم والتقابض في المجلس إن جرى بين العوضين ربا النسيئة، وكذلك تتعلق به جميع أحكام البيع كرد المعيب، وحق الشفعة، والمنع من التصرف قبل القبض، وكذلك يدخل في هذا النوع إن صالحه على منفعة في مقابل الدين كما إذا ادعى على رجل شيئاً فأقر به ثم صالحه على سكن داره أو ركوب دابته.

القسم الثاني: الصلح على الإنكار (الصلح مع إنكار المدعى عليه): وهو أن يدعي شخص على آخر عيناً أو ديناً أو منفعة فينكر ما ادعاه ثم يتصالحان.

مثاله: أن يدَّعي (زيد) على (عمرو) عشرة آلاف ريال، أو يدَّعى عليه سيارة بيده، أو داراً، فأنكر المدعى عليه (عمرو) هذا الدَّين، وبدلاً من الذهاب إلى المحكمة والقضاء أراد المدعى عليه قطع النزاع وافتداءً اليمين، فصالح المدعى عليه المدعي على سبعة آلاف ريال مثلاً فأخذها (زيد) وانتهى ما بينهما.
وهذا القسم قد اختلف الفقهاء فيه على قولين:
الأول: جوازه، وهذا هو قول جمهور الفقهاء من الحنفية([9])، والمالكية([10])، والحنابلة([11]) بشرط أن يكون المدعي معتقداً أن ما ادعاه حق، والمدعى عليه يعتقد أن لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع.
أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه، فالصلح باطل في حقه وما أخذه بكذب نفسه حرام عليه لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
واستدل الجمهور لذلك بعموم الأدلة التي تدل على جواز الصلح.
الثاني: قول الشافعية([12])، وابن حزم([13]) أن الصلح مع الإنكار باطل لا يجوز، واحتجوا لذلك بقول النبي *صلى الله عليه وسلم *(الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)([14])، وأيضاً بالقياس على ما لو أنكر الزوج الخلع ثم
تصالح مع زوجته على شيء فلا يصح ذلك.
وأيضاً لو كان المدعي كاذباً فقد استحل مال المدعى عليه.

والراجح عندي ما ذهب إليه جمهور الفقهاء، فالحاجة داعية إلى هذا النوع قطعاً للنزاع، فإن المدعي يأخذ عوضاً عن حقه الثابت في اعتقاده، وهذا مشروع، والمدعى عليه يؤديه افتداءً لنفسه من الدعوى واليمين.



وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِه(1) أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ(2) مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ(3)، أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذٰلِكَ(4)



(1)قوله (وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِهِ): كأن يكون عند شخص عشرة آلاف ريال فأسقط ثلاثة.

(2)قوله (أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ): كأن يقرَّ له بعين ثم يصالحه على نصفها أو ربعها أو ما شابه ذلك، فهذا جائز وهو كما سبق يسمى صلح الإقرار، وقد سبق بيان حكمه وأنواعه.

(3) قوله (مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ): كأن يقول له نعم أنا مقر لك بهذا الدين أو بهذه العين ولكن لا أوفيك دينك أو لا أعطيك عينك إلا بأن تصالحني على شيء منها هبة منك لي أو تبرأني على شيء منها، فهذا لا يصح ولا يحل له أن يمنعه حقه إلا إذا تنازل عن بعضه.
فهذا حرام ومن أكل أموال الناس بالباطل، ولأن في هذه الحالة تحولت المسألة إلى معاوضة فتؤدي إلى ربا، فالحاصل أن محل صحة صلح الإقرار ألا يكون ذلك بشرط.

(4)قوله (أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذٰلِكَ): أي لا يعطيه حقه إلا بأن يهب له أو يبرأه من بعضه، وهذا لا يجوز أيضاً.



أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ(1)


(1) قوله (أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ): مثل أن يصالحه عن عشرة آلاف ريال مؤجله بخمسة آلاف حالة لم يجز.
والعلة في ذلك أنه ربا وهو بيع بعض ماله بماله، ولأن بيع الحلول غير جائز.
وهذا هو قول الجمهور من الحنفية([15])، والمالكية([16])، والشافعية([17])، وهو الصحيح في مذهب الإمام أحمد([18])، والرواية الثانية للإمام أحمد، وهي اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية([19])، وتلميذه ابن القيم([20])، والشوكاني([21]).
بل هي قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي([22]) جواز ذلك لأن فيه مصلحة للدائن وهي أنه تعجل قبض حقه، ومصلحة للمدين وهي براءة ذمته وإسقاط بعض الدين عنه.
وقد يحتاج صاحب الحق حقه لعذر من الأعذار، ولا دليل على المنع وليس هذا من الربا، لأن الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في مقابلة الأصل، وهذا يتضمن براءة ذمته من العوض في مقابلة سقوط الأصل.
وهذا هو القول الراجح، وهو اختيار شيخنا رحمه الله ([23]).



وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ* الْمَجْلِسِ (1)، وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لاَ يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ(2)


(1) قوله (وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ): سبق بيان ذلك في باب الربا والصرف، وقلنا أنه يجوز بيع الذهب بالورق (الفضة) والعكس، لكن يشترط لذلك شرطان هما:
1ـ أن تكون بسعر يومها.
2ـ التقابض قبل التفرق.
دليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله عنهما أنه سأل النبي *صلى الله عليه وسلم *فقال إني أبيع الإبل بالنقيع، فأبيع بالدنانير وأخذ بالدراهم وأبيع بالدراهم وأخذ الدنانير أخذ هذا من هذا لأعطي هذا من هذا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا بَأْسَ أَنْ تُؤْخَذَ بِسِعِّرِ يَوْمِهَا بِشَّرْطِ أَنْ تَتَفَرَقَا وَلَيْسَ بَيْنَكُمَا شَيٌّء)([24]).
فمتى صالح صاحب الدين المدين عن أثمان بأثمان (كذهب بورق) أو العكس فإنه يجوز ذلك، لكن يعتبر لذلك شروط الصرف لأنه صرف أثمان بأثمان، فيشترط له أن يكون بسعر يومه والتقابض قبل التفرق.

(2) قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لاَ يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ): هذا هو صلح الإنكار، وقد سبق بيانه في أقسام الصلح وقلنا بأن هذا القسم جائز، وهو قول الجمهور.



فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ(1)، وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لاَ يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ(2)


(1)قوله (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ): سبق أن قلنا بأن صلح الإنكار يشترط لجوازه أن يكون المدعي معتقداً صدق نفسه، وأن ما ادعاه حق والمدعى عليه يعتقد أنه لا حق عليه، فيتصالحان قطعاً للخصومة والنزاع.
أما إذا كان أحدهما عالماً بكذب نفسه فالصلح باطل في حقه، وما أخذه حرام لأنه من أكل أموال الناس بالباطل.
دليل ذلك قوله *صلى الله عليه وسلم *(الصُّلْح جَائِز بَيْن الْمُسْلِمِينَ, إِلا صُلْحًا حَرَّمَ حَلَالاً أَوْ أَحَلَّ حَرَامًا)([25])، هذا فيما بينه وبين الله تعالى، أما ظاهراً فإنهما لو ترافعا إلى القاضي في المحكمة حكم بالصلح، وعلى هذا لا يجوز له أن يتصرف في العين التي أخذها وهو يعتقد أنها ليست له في الواقع.
مثال ذلك: رجل ادعى أن قطعة الأرض هذه له، وهي أرض مشتركة، فأنكر من بيده الأرض ثم اتفقا على الصلح، فأعطى المدعي عشرة آلاف ريال عوضاً عن الأرض.
إن كان المدعي صادقاً والمنكر ـ المدعى عليه ـ كاذباً فالأرض حرام على المدعى عليه كالأرض المغصوبة تماماً، وإن كان بالعكس المدعى عليه هو المحق والمدعي هو المبطل فالعوض الذي أخذه عن الأرض حرام.

(2)قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لاَ يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَازَ):
هذا ما يسمى بالصلح عن المجهول وقد اختلف الفقهاء في هذا النوع من الصلح، فذهب المالكية([26])، والحنابلة([27]) إلى جوازه سواء كان عيناً أو ديناً لا سبيل إلى معرفته.
ويرى الحنفية([28]) أن هذا النوع لا يجوز إذا كان مما يحتاج إلى التسليم لئلا يفضي إلى المنازعة، كما إذا ادعى حقاً في دار رجل ولم يسلم، فاصطلحا على مال معلوم يعطيه المدعي، أما إذا كان مما لا يحتاج إلى تسليم كترك الدعوى مثلاً فيجوز لأن جهالة الساقط لا تفضي إلى المنازعة فهو بمنزلة الإبراء عن المجهول وهو جائز.
ويرى الشافعية([29]) أنه لا يجوز الصلح عن المجهول لأن الصلح فرع البيع ولا يصح بيع المجهول.
والراجح من الأقوال الثلاثة: جواز الصلح عن المجهول، دليل ذلك ما ثبت عن أم سلمة قالت:(جَاءَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَنْصَارِ يَخْتَصِمَانِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ *صلى الله عليه وسلم *فِي مَوَارِيثَ بَيْنَهُمَا قَدْ دُرِسَتْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ *صلى الله عليه وسلم *إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَيَّ وَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ أَوْ قَدْ قَالَ لِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ فَإِنِّي أَقْضِي بَيْنَكُمْ عَلَى نَحْوِ مَا أَسْمَعُ فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا فَلَا يَأْخُذْهُ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ يَأْتِي بِهَا إِسْطَامًا فِي عُنُقِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَبَكَى الرَّجُلَانِ وَقَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقِّي لِأَخِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ *صلى الله عليه وسلم *أَمَا إِذْ قُلْتُمَا فَاذْهَبَا فَاقْتَسِمَا ثُمَّ تَوَخَّيَا الْحَقَّ ثُمَّ اسْتَهِمَا ثُمَّ لِيَحْلِلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ)([30])، ولو لم يجز الصلح لأفضى إلى ضياع الحق أو بقاء شغل الذمة على تقدير أن يكون بينهما* مال لا يعرف كل واحد منهما قدر حقه منه، وليس الصلح هنا بيعاً وإنما هو إبراء.

ذكر بعض الفوائد المتعلقة بهذا الباب:
·الفائدة الأولى: اتفق الفقهاء على عدم صحة الصلح عن حق الله، فلا يصح الصلح عن حد الزنا والسرقة وشرب الخمر ونحو ذلك، أما حقوق العباد فيجوز الصلح عن كل حق ثابت للمُصالح إذا كان مما يجوز أخذ العوض عنه، سواء كان مما يجوز بيعه أم لا، وسواء أكان مالاً أم غير مال، فيجوز العفو عن دم العمد في النفس وما دونها، وعن سكنى دار ونحوها، وعن عيب في المبيع قطعاً للخصومة والمنازعة.
·الفائدة الثانية: الصلح بين الجاني والمدعي:
يرى الحنفية([31]) أن الصلح إما أن يكون بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، فإن كان بإذنه صح الصلح، وأما إذا كان بغير إذنه فهذا هو صلح الفضولي وهو جائز وصحيح، ويكون الفضولي متبرعاً حيث التزم ببدل الصلح ولا شيء له لأنه أجرى العقد بلا أمر المدعى عليه، وإذا أطلق الفضولي الصلح ولم يلتزم بشيء فَصُلْحُه هذا موقوفٌ على إجازة المدعى عليه.
ويرى المالكية([32]) أنه لا يجوز للرجل أن يصالح عن غيره بوكالة أو بغير وكالة ويلزم المصالح إذا كانت الدعوى على عين وبإذن المدعى عليه، أما إذا كانت على دين فيصح سواء كان ذلك بإذن المدعى عليه أم لا.

أما الحنابلة([33]) فإنهم قالوا بجواز الصلح سواء كان عيناً أو ديناً بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه، لكن إن كان الصلح بإذن المدعى عليه فإن الأجنبي يرجع عليه بما أدى، وإن كان بغير إذن المدعى عليه فلا يرجع لأنه أدى عنه ما لا يلزمه فكان متبرعاً.
والراجح من الأقوال: ما ذهب إليه الحنابلة لحديث علي وأبي قتادة رضي الله عنه ما حيث قضى عن الميت فأجازه النبي *صلى الله عليه وسلم ، ويرجع بما أداه إذا كان بإذنه لأنه قد أقره فيما يقوم به من الصلح، وفي حال عدم الإذن لا يرجع عليه بشيء، فإن إلزام المدعى عليه بما لم يقبله فيه مضرة عليه حيث أنه يمكن ألا يثبت هذا الحق المدعى به.

·الفائدة الثالثة: تجري على أحكام الصلح أقرب العقود إليه شبهاً، فالصلح عن مال بمال يعتبر في حكم البيع.
والصلح عن مال بمنفعة يكون في حكم الإجارة، والصلح على بعض العين المدعاة هبة، والصلح عن نقد بنقد له حكم الصرف، والصلح في دعوى الدَّين على أن يأخذ المدعي أقل من المطلوب لترك دعواه يعتبر أخذ بعض الحق وإبراء الباقي، ونتيجة لذلك فإنه يجري في الصلح أحكام العقد الذي اعتبر فيه وتراعى فيه شروطه ومتطلباته([34]).

الهوامــش

([1]) سورة النساء: الآية 128.
([2]) سورة النساء: الآية 114.
([3]) سورة الحجرات: الآية 10.
([4])* أخرجه البخاري ـ* كتاب الآذان ـ باب إذا استووا في القراءة فليؤمهم أكبرهم (2/96)، مسلم ـ كتاب الصلاة ـ باب تقديم الجماعة من يصلي بهم إذا تأخر الإمام (976).
([5]) أخرجه أبو داود ـ كتاب الأدب (4921)، والترمذي ـ كتاب البر والصلة (2509) وصححه الألباني في صحيح الجامع رقم (2595).
([6]) أخرجه الترمذي ـ كتاب الأحكام ـ باب ما ذكر عن رسول الله *صلى الله عليه وسلم *عن كثير بن عبد الله المزني عن أبيه عن جده، وقال: حسن صحيح، ورواه البخاري معلقاً بصيغة الجزم في الإجارة ـ باب أجرة السمسرة، بلفظ:(المسلمون على شروطهم)، ووصله أبو داود في القضاء ـ باب المسلمين على شروطهم (3594)، والحاكم (2/92) عن أبي هريرة رضي الله عنه .
([7]) أخرجه البخاري ـ كتاب الهبة وفضلها ـ باب إذا وهب دينا على رجل (2601).
([8]) أخرجه البخاري ـ كتاب الصلاة ـ باب التقاضي (457)، مسلم ـ كتاب المساقاة ـ باب استحباب الوضع من الدين (4067).
([9]) مجمع الأنهر (2/308)، بدائع الصنائع (6/40).
([10]) بداية المجتهد (4/91).
([11]) المغني (7/6).
([12]) روضة الطالبين (4/198).
([13]) المحلى (8/160).
([14]) سبق تخريجه، ص186 .
([15]) بدائع الصنائع (6/45).
([16]) حاشية الخرشي (6/3).
([17]) روضة الطالبين (4/196).
([18]) المغني (7/21).
([19]) الاختيارات الفقهية، ص117.
([20]) إعلام الموقعين (3/371).
([21]) السبيل الجرار (3/147). *
([22]) المغني (7/21).
([23]) الشرح الممتع (9/233).
([24]) أخرجه الحاكم في المستدرك ـ كتاب البيوع (2285)، وقال صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.
([25]) سبق تخريجه، ص186 .
([26]) مواهب الجليل (5/81).
([27]) المغني (7/22).
([28]) بدائع الصنائع (6/49). *
([29]) روضة الطالبين، ص695.
([30]) أخرجه البخاري ـ كتاب الشهادات ـ باب من أقام البينة بعد اليمين (2680)، مسلم ـ كتاب الأقضية ـ *باب بيان أن حكم الحاكم لا يغير الباطن (1713).
([31]) البحر الرائق (7/259).
([32]) مواهب الجليل (5/81).
([33]) المبدع في شرح المقنع (4/287).
([34]) انظر في ذلك: تبيين الحقائق (5/31)، الخرشي على مختصر خليل (6/2)، روضة الطالبين (690)، كشاف القناع (3/397). *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
الفهرس:
بَابُ الصُّلْحِ:
قوله (بَابُ الصُّلْحِ):
تعريف الصلح لغةً وشرعاً:....................................................
حكمه الشرعي: ..................................................................
دليل مشروعية الصلح:.........................................................
ذكر بعض الفوائد:
الفائدة الأولى : في أعدل الصلح وأحقه:...............................
الفائدة الثانية : في أنواع الصلح:.............................................
الفائدة الثالثة : في شروط الصلح:...........................................
الفائدة الرابعة : أقسام الصلح في الأقوال:................................
القسم الأول : الصلح على الإقرار :.....................................
أنواع الصلح مع الإقرار:.......................................................
القسم الثاني : الصلح على الإنكار:.......................................
اختلاف الفقهاء في الصلح على الإنكار:..................................
القول الراجح من الأقوال:.....................................................
قوله (وَمَنْ أَسْقَطَ بَعْضَ دَيْنِهِ):
قوله (أَوْ وَهَبَ غَرِيْمَهُ بَعْضَ الْعَيْنِ الَّتِيْ لَهُ فِيْ يَدِهِ، جَازَ):
شرح كلام المؤلف:...............................................................
قوله (مَا لَمْ يَجْعَلْ وَفَاءَ الْبَاقِيْ شَرْطًا فِي الْهِبَةِ وَالإِبْرَاءِ):
شرح كلام المؤلف: ..............................................................
قوله (أَوْ يَمْنَعْهُ حَقَّهُ إِلاَّ بِذٰلِكَ):
قوله (أَوْ يَضَعَ بَعْضَ الْمُؤَجَّلِ؛ لِيُعَجِّلَ لَهُ الْبَاقِيْ):
شرح كلام المؤلف:...............................................................
ذكر الخلاف فيما ذكره المؤلف:...............................................
بيان الراجح من الأقوال:.......................................................
قوله (وَيَجُوْزُ اقْتِضَاءُ الذَّهَبِ عَنِ الْوَرِقِ، وَالْوَرِقِ عَنِ الذَّهَبِ، إِذَا أَخَذَهَا بِسِعْرِ يَوْمِهَا، وَتَقَابَضَا فِيْ الْمَجْلِسِ):
شرح كلام المؤلف:...............................................................
ذكر الدليل على ما ذكره:.......................................................
قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ لاَ يَعْلَمُهُ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، فَصَالَحَهُ عَلَى شَيْءٍ، جَازَ):
قوله (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا يَعْلَمُ كَذِبَ نَفْسِهِ، فَالصُّلْحُ بَاطِلٌ فِيْ حَقِّهِ):
شرح كلام المؤلف مع ذكر الدليل:..........................................
قوله (وَمَنْ كَانَ لَهُ حَقٌّ عَلَى رَجُلٍ لاَ يَعْلَمَانِ قَدْرَهُ، فَاصْطَلَحَا عَلَيْهِ، جَاز):
شرح كلام المؤلف: ..............................................................
ذكر الخلاف فيما ذكره المؤلف مع بيان الراجح:........................
ذكر بعض الفوائد:
الفائدة الأولى : اتفاق الفقهاء على عدم الصلح عن حق الله:.....
الفائدة الثانية : الصلح بين الجاني والمدعي:...........................
ذكر أقوال الفقهاء مع بيان الراجح:....................................
الفائدة الثالثة : ذكر بعض ما يجري في أحكام الصلح:................

تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 731


خدمات المحتوى


Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.